محمود توفيق محمد سعد
222
الإمام البقاعي جهاده و منهاج تأويله بلاغة القرآن الكريم
العطاء الممنوح كلّ خير ممكن ، فما أفاده مقطعها ترتيلا هو ما دلّ عليه إفصاح مطلعها تلاوة ، فكان التّناسب الماجد بين المقطع والمطلع . يقول البقاعي : " ولمّا أمره باستغراق الزمان في عبادة الخالق ، والإحسان إلى الخلائق بأعلى الخلائق علّله بما حاصله أنّه لا شاغل له ولا حاجة أصلا تلمّ به ، فقال : إِنَّ شانِئَكَ . . . هُوَ أي خاصة الْأَبْتَرُ أي المقطوع من أصله والمقطوع النسل والمعدم والمنقطع الخير والبركة والذكر ، لا يعقبه من يقوم بأمره ويذكر به وإن جمع المال ، وفرغ بدنه لكلّ جمال ، وأنت الموصول الأمر النّابه الذكر ، المرفوع القدر ، فلا تلتفت إليهم بوجه من الوجوه ، فإنّهم أقلّ من أن يبالي بهم من يفرغ نفسه للفوز بالمثول في حضرتنا الشريفة . . . فالآية الأخيرة النتيجة ؛ لأنّ من الكوثر علوّ أمره وأمر محبيه ، وأتباعه في ملكوت السماء والأرض ونهر الجنة وسفول شأن عدوه فيهما . فقد التفّ كما ترى مفصلها بموصلها ، وعرف آخرها من أولها ، وعلم أنّ وسطاها كالحدود الوسطى ، معانقة للأولى بكونها من ثمارها ، ومتصلة بالأخرى ، لأنها من غايات مضمارها " « 1 » والقول بردّ المقطع على المطلع أو العجز على الصدر كما يقول البلاغيون هو مما عني به البلغاء المبدعون في عالم البيان العالي قديما ومما لفت إلى قدره البلاغيون الناقدون ، فقد جعله " ابن المعتز " في كتابه : " البديع " الركن أو الباب الرابع من أبواب البديع الخمسة التي أقام عليها كتابه البديع وإذا ما كانت عناية البلاغيين في هذا الأسلوب إلى توافق كلمة في عجز البيت أو الفقرة مع أخرى تقدمتها توافقا في المنطوق قد يجتمع إليه توافق في المفهوم ( المعنى ) وقد لا يتوافق ، فإنّ الأمر هنا عند البقاعي يتجاوز أوّلا التّوافق الصّوتيّ إلى التوافق الدّلاليّ ، ويتجاوز التّوافق مجال الكلمة إلى مجال أرحب قد يبلغ عدة آيات . وفي هذا نقل لأسلوب رد الأعجاز على الصدور من التحسين اللفظي عند البديعيين إلى النظم الترتيبي القائم بعلائق المعاني بعضها ببعض عند " البقاعي " وذلك الضرب من النظم هو العليّ الحميد . * * *
--> ( 1 ) - السابق : 22 / 291 .